يومياتهم بأقلامنا 4 - يونان النبى |
يوم1
ما الذى يريده السيد؟
من وقت لآخر يرسلنى السيد فى مهمة لأبلغ الناس رسائل منه، واليوم حاول أن يكلفنى بأصعب مهمة من هذا النوع، إنه يريد إرسالى إلى بلد بعيدة جدا، لكن ليست المشكلة فى بعدها فأنا مستعد أن أتحمل مشاق السفر (وإن كان هو أحيانا يدبر لى وسائل غير مألوفة للانتقال من مكان لآخر)، وأهل تلك البلد قد وصلوا فى الفساد إلى درجات منفرة ومقززة، وأيضا ليست هذه هى المشكلة عندى، فهو قد زودنى بشجاعة لا أخشى عليها فسادا أو مفسدين، وقد كان يريدنى أن أهدد أهل تلك المدينة بأن مدينتهم ستنقلب بعد أربعين يوما جزاءً لهم على شرورهم الكثيرة والبشعة، وأنا أُرَجِّح بناءً على خبراتى السابقة أنه لن ينفذ هذا التهديد، كما أنهم فى الغالب من الاحتمالات سينتهون إلى رداءة حالتهم فيتوبوا فيقبل هو توبتهم ويصفح عنهم، هو نفسه قال: "هل مسرة أسر بموت الشرير؟! أليس برجوعه فيحيا؟"، وتلك هى مشكلتى فأنا لا أستطيع أن أحتمل ولا أن أتصور أن أبدو فى أعين بعض الناس "صاحب النبوة التى لم تتحقق"، لا أستطيع أن أحتمل أن يتهكم علىَّ بعض الناس ولو كانوا قليلون للغاية، فيقولوا ولو فيما بينهم، "ها قد مضت الأيام الأربعون فهلاَّ تفضلتَ وقلبتَ المدينة كما وعدتنا من قبل؟"، أو أن يأتى مستظرف آخر أمامى فى اليوم الثانى والأربعين ويتظاهر بأنه مرتبك فى تعداد الأيام "ثم يكتشف" أن اليوم هو الثانى والأربعين وأنه كان قد جهّز نفسه ليرى انقلاب المدينة فعسى أن يكون المانع خيرا!!
ما يحيرنى هو أنه دقيق التقدير بدرجة غير متصورة، فلماذا معى أنا بالذات يبدو تقديره هذه المرة غير قابل للتطبيق؟
وهو لم يكن فقط سيدى بل أحيانا أخرى كنت أعتبره أبى بل وأحيانا الصديق الألصق من الأخ، لذا كلما كنت أواجه (فى الماضى) مضايقة أو أمرا غير مفهوم كنت أحدثه فيجيبنى ويفهمنى، والآن إذ أنا فى ضيق من أوامره هو، أو من تكليفه، فلمن أستطيع أن أشكو من ذلك أو أن أتحدث عنه؟ فقط أحادث نفسى عن هذا الأمر مما يقترب بى من درجة ما من درجات عدم الاستواء النفسى..
من قبل سأله أحد زملائنا الكبار من خدامه: "أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب؟! إن صعدت إلى السماء فأنت هناك، وإن فرشت فى الهاوية فها أنت".. فقلت إنما الظلمة تغشانى! فالليل يضئ حولى! الظلمة أيضا لا تظلم لديك والليل مثل النهار يضئ...؟ نعم أنا أدرك بعقلى أنه موجود فى كل مكان وأننى لا أستطيع أن أختبئ منه، ولكن ومع ذلك فإن ضيقى الشديد يدفعنى دفعا أن أغادر هذا المكان الذى اعتدت أن يكلمنى فيه، هل أنا أهرب منه أم أهرب من نفسى؟ لست أدرى، على أية حال فها هى سفينة ذاهبة الى عكس اتجاه المدينة التى كلفنى بالمناداة عليها، سأدفع أجرة هذه السفينة وأصعد إليها وقد يرى هو ذلك فيتجاهل أمرى ويسقطنى من عداد خدامه، وإذا حدث ذلك فمهما عشت من عمر بعد ذلك لن تموت حسرتى وحزنى على ابتعادى عنه وهروبى منه، ولكن ليس أمامى حل آخر.
يوم2
منتصف الليل
الهاوية!… سمعت عنها كثيرا، لكننى لم أتخيل أن تكون بشعة إلى هذه الدرجة، الظلام التام، والانعزال المطلق، وأصوات لا أدرى ما هى، ثم من وقت لآخر يبدو بعض الضوء من بُعد، ويمر تيار هواء لافح وتيار ماء يفرق جزءً من جسدى، جسدى؟.. ولكن كيف أن جسدى معى إلى الهاوية؟ كنت أظن أنه بعد الموت تنحدر الروح وحدها إلى الهاوية دون الجسد، ولكن هل أنا مُت فعلا أم لا؟ لا أستطيع أن أتأكد، وهذا أمر مؤلم فى حد ذاته وحده، فكيف به إذا أضيف إليه الظلام والدوار والهزال والجوع والوحدة، الوحدة؟ ولكننى كنت أظن أن الهاوية مملوءة بالأرواح، فلماذا لم أصادف ولا روحا واحدة؟ اذن فإن أشد عذابات الهاوية هولا هو هذا الانعزال الكئيب المقبض، فقط لو عرفت إجابات لهذه الأسئلة: أين أنا؟ هل أنا حى أم ميت؟ هل سأظل فى هدا المكان (إن أمكن أن أسميه مكانا) لفترة طويلة؟ هل أنا واقف أم راقد أم جالس؟ هل أنا حقا يونان بن أمتّاى أم أنا كائن آخر؟ بل هل أنا حقا كائن أم محض خيال أو حلم أو كابوس؟ آه لو وجدت إجابة، ولو لسؤال واحد من كل هذه الاسئلة، فلأحاول إذن أن أركز تفكيرى (بفرض أن لدىّ تفكير حقا) وإن أتذكر (إن كان هناك شئ اسمه الذاكرة) كيف وصلت إلى هذا اللامكان المخيف؟ فلأحاول، نعم! لقد كنت نائما فى جوف السفينة ثم أيقظونى، فرأيت البحر هائجا ففهمت فى الحال أن ذلك هو عقاب سيدى لى على محاولتى الهروب منه، وأخبرت البحارة بذلك بعد أن أظهرتنى القرعة، كنت فى شدة الخجل منهم إذ لا أحتمل أبدا أن يتعرض أحد للمتاعب بسببى، وتماديت فى معاندة سيدى فلم أحاول أن أحادثه، أو أن أطلب منه الصفح أو المعونة، بل اقترحت على البحارة أن يقذفوا بى إلى البحر، وفى النهاية انصاعوا لاقتراحى فألقوا بى فى البحر، ثم شعرت كأننى أُبتلع فى جوف بئر متحركة، فهل كان هذا هو الموت؟ أم أننى لم أمُت بعد؟ آن لو أعرف، ربما لو استطعت أن أصبر وقتا ما دون أن أجن، ودون أن أموت من الكآبة، إن كنت لم أمُت بعد ربما أجد عندئذ روحا أو شخصا يُعرّفنى أى شئ، أو حتى على الأقل أطرح عليه أسئلتى هذه، وحتى إذا لم يجاوبنى فإن مجرد طرحى للأسئلة سيقلل من جبروت هذا الجحيم، نعم فكرة الصبر هذه فكرة جيدة، فلأصبر.
يوم3
منتصف الليل
فى هذه الهاوية إذ لا شمس ولا نجوم ولا أى شئ، إذ ليس هناك سوى الفراغ والكآبة، كيف يمكن احتساب الزمن؟ وإذن فمنذ متى ـ بحسابات الأرض ـ وأنا هنا؟ يوم أم دهر؟ آه لو كنت أستطيع أن أرى وجهى! من الغريب أن تصبح هذه إحدى الأمنيات الغالية، وذلك الصبر الذى حلمت فى الدهر الماضى أن أتمسك به طوال فنائى بالهاوية، هو وهم، يبعث على الغيظ، ولكن هل يمكن حقا أن أتحدث إلى سيدى؟ اما أنه سيسمع صوتى فهذا لا شك فيه، اما ما يمنعنى عن محادثته فربما كان خليطا من الخجل والكبرياء والعناد.
نعم أنا أعترف أن لى أخطائى لكننى أيضا عاتب عليه، والآن ليس أمامى أى حل آخر سوى أن أطلب منه أن ينقذنى من هذه الهاوية البغيضة، نعم فلأحاول فأنا أعلم بينى وبين نفسى كم هو رحيم وعطوف، ولا يهدف أبدا الى اذلال أولاده أو خدامه، بل ولا يحتمل أن يراهم فى موقف المذلة أو الضياع.
|